الشوكاني

141

نيل الأوطار

عبد الحميد بن يزيد وهو مجهول كما قال العراقي . ( واحتج القائلون ) بوجوب العمل بالظن والتحري ، إما مطلقا أو لمن كان مبتلي بالشك بحديث ابن مسعود الآتي لما فيه من الامر لمن شك بأن يتحرى الصواب ، وأجاب عنهم القائلون بوجوب البناء على الأقل بأن التحري هو القصد . ومنه قوله تعالى : * ( فأولئك تحروا رشدا ) * ( الجن : 14 ) فمعنى الحديث فليقصد الصواب فيعمل به ، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره ، وقد قدمنا طرفا من الخلاف في كون التحري والبناء على اليقين شيئا واحدا أم لا . وفي القاموس : أن التحري التعمد وطلب ما هو أحرى بالاستعمال ، قال النووي : فإن قالت الحنفية : حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه ، ومن شك ولم يترجح له أحد الطريقين يبني على الأقل بالاجماع ، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا ، فالجواب أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين ، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشئ وعدمه كله يسمى شكا ، سواء المستوي والراجح والمرجوح ، والحديث يحمل على اللغة ، ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح انتهى . والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب ، وذلك لأن التحري في اللغة كما عرفت هو طلب ما أحرى إلى الصواب ، وقد أمر به صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمر بالبناء على اليقين والبناء على الأقل عند عروض الشك ، فإن أمكن الخروج بالتحري عن دائرة الشك لغة ، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه فعل من الصلاة كذا ركعات ، فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل ، لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية ، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ، وهذا المتحري قد حصلت له الدراية ، وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد ، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن ، وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة ، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل ، وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق ليس عليها أثارة من علم ، كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة . قوله في حديث الباب : قبل أن يسلم استدل به القائلون بمشروعية سجود السهو قبل السلام ،